نبذة عن الأندلس

موقع الأندلس: تقع بلاد الأندلس في الجنوب الغربي من قارة أوربا، وتُعرف في عصرنا بأسبانيا والبرتغال ويحدها من الغرب المحيط الأطلسي، ومن الجنوب مضيق جبل طارق وجزء من البحر الأبيض المتوسط، ومن الشرق البحر الأبيض المتوسط أيضاً، أما من الشمال فتحدها فرنسا التي كان العرب يطلقون عليها اسم بلاد الفرنجة. وتسمى جزيرة الأندلس من باب التغليب، وإلا فهي شبه جزيرة لا جزيرة.
وقد أطلق العرب على تلك البلاد اسم الأندلس. ويقول المقري في نفح الطيب[1]: "إن أول من سكن بالأندلس على قديم الأيام فيما نقله الأخباريون.. قوم يعرفون بالأندلش - بالشين المعجمة- بهم سُمِّي المكان فَعُرِّب فيما بعد بالسين غير المعجمة: "الأندلس" وقيل: إن القبيلة الجرمانية التي كانت تسكن شبه الجزيرة كانت تسمى (القندال)، فسمي الإِقليم "فنداليشيا" فعرب إلى الأندلس. أما عند اليونان فتسمى "شبه جزيرة أيبيريا". وقد حكم المسلمون الأندلس أكثر من ثمانية قرون،
في شهر رمضان المبارك إحدى وتسعين للهجرة الموافق لسبعمئة و عشرة ميلادية بدأ فتح الإسلام بلاد الأندلس (الفردوس الإسلامي المفقود).

ويروي التاريخ أن أول من دخل جزيرة الأندلس من المسلمين لفتحها والجهاد فيها هو "طريف البربري" التابع للبطل الفاتح موسى بن نصير، وكان طريف مع سرية مجاهدة قوامها مائة فارس، وأربعمائة راجل، وكان دخوله في شهر رمضان المعظم في السنة الحادية والتسعين بعد الهجرة النبوية، وقد نقل هذه السرية في أربعة مراكب من شمال إفريقيا إلى أرض أسبانيا.

واستعان طريف في غزوته تلك بالكونت يوليان، الذي كان نائبًا للإمبراطور البيزانطي في مدينة سبتة؛ حيث سهل هذا النائب للمسلمين طريق النزل لأول مرة في أرض الأندلس؛ حيث كان هناك أحقاد بين يوليان ولذريق صاحب الأندلس (يُروى أن سبب ذلك أن لذريق اعتدى على عِرض ابنة يوليان بعد أن استأمنه عليها" المعجب ص 33).

وكان موسى بن نصير بطل شمال إفريقية قد استأذن من أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، في أن يوسِّع دائرة الغزو والفتح في بلاد الأندلس؛ لتمكين كلمة الإسلام فيها وتحرير أهلها من نِيْر الطاغين الطارئين عليها من القُوط الغربيين، فكتب إليه الوليد يقول له: خُضها بالسرايا حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال.

وردَّ عليه موسى يبين له أنه ليس ببحر زخار، وإنما هو خليج منه يبين للناظر ما خلفه، فكتب إليه الوليد يقول: إنه لا بد من اختبار هذا البحر بالسرايا قبل اقتحامه.

فبعث موسى تابعه طريفًا، كما ذكرنا، وعاد طريف بعد توفيقه في غزوته يثني على البلاد وينوِّه بها، فبعث موسى إلى الأندلس بالبطل الفاتح "طارق بن زياد"، فتخطى البحر فبلغ جبل طارق المنسوب إليه حتى اليوم، في شعبان سنة ثنتين وتسعين للهجرة.

ويُروى أن طارق بن زياد حينما وصل اليابسة من بلاد الأندلس، أحرق السفن التي عبروا البحر فوقها، لكي يقطع طريق العودة على جنوده، فيجعلوا كل همِّهم في النضال والكفاح، وخطبهم خطبته الرائعة التي قال فيها:

بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وحثَّ المسلمين على الجهاد ورغَّبهم فيه:
"أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمرًا ذهبت ريحكم، وتعوَّضت القلوب من رعبها منكم الجراءة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية (يقصد لذريق) فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن، إن سمحتم لأنفسكم بالموت.

وإني لم أحذركم أمرًا أنا عنه بنجوة، ولا حَمَلْتُكُمْ على خطة أرخص متاع فيها النفوس إلا وأنا أبدأ بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشقِّ قليلاً، استمتعتم بالأرفَهِ الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظي".

ثم قال: "وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عُربانًا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارًا، وأختانًا، ثقة منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان؛ ليكون حظُّه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمًا خالصة لكم من دونه، ومن دون المؤمنين سواكم، والله – تعالى – ولَّى أنجادكم على ما يكون لكم ذِكرًا في الدارين.

واعلموا أنني أول مُجيب لما دعوتكم إليه، وأني عند مُلتقى الجمعين حامل نفسي على طاغية القوم لذريق، فقاتله - إن شاء الله تعالى -، فاحملوا معي، فإن هلكت بعده، فقد كفيتكم أمره، ولم يعوزكم بطلب عاقد تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه؛ فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهمَّ من فتح هذه الجزيرة بقتله؛ فإنهم بعده يُخذلون" (هناك من يشك في هذه الخطبة، وتراجع تفاصيل ذلك والرد عليه في كتاب "ملامح أدبية" ص 174 وما بعدها").

وهنا انشرحت صدور هؤلاء الجنود، وهبَّت رياح النصر عليهم، وأحسنوا الظن بربهم كأنهم يرون بأعينهم ما سيهيئه لهم من نجاح وفلاح، وقالوا لقائدهم طارق: "قد قطعنا الآمال مما يخالف ما عزمت عليه، فاحضر إلى الطاغية "لذريق" فإننا معك وبين يديك".

ثم وقعت المعركة الحاسمة بين قوة المسلمين وجيوش ملك القوط المسيطرين على بلاد الأندلس يوم 28 رمضان السنة الثانية والتسعين للهجرة (19 يونيو 711م)، وانتهت باندحار القوط وانتصار المسلمين.

ويَروي التاريخ أن طارق بن زياد حينما رأى لذريق قال: هذا طاغية القوم، وأقبل طارق عليه حتى خلص إليه، وضربه بالسيف على رأسه، فقتله وهو على سريره، ولما رأى أصحابه مصرع صاحبهم، اقتحم الجيشان، وكان النصر للمسلمين، ولم تَقِف هزيمة العدو عند موضع؛ بل كانوا يُسَلِّمون بلدًا بلدًا ومعقلاً معقلاً.

وجاء موسى بن نصير بعد طارق فتوسع في الفتح، وأوغل في البلاد، وكان دخول موسى الأندلس لتتويج النصر وتوسيع الفتح في شهر رمضان سنة ثلاثة وتسعين (يونيو 721م).

ويُروى أن طارق بن زياد قد أنشأ في فتح الأندلس قصيدة منها هذه الأبيات: (من الطويل):

ركبنـا سَفِـينا بالمجـاز مُقَيَّرًا عسى أن يكون الله منا قد اشترى
نفوسًـا وأمـوالاً وأهلاً بجنة إذا ما اشتهينا الشيء فيها تيسرا
ولسنا نُبَالِي كيف سالت نفوسنا إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا

وهو يشير بذلك إلى قول الله - تبارك وتعالى - في سورة التوبة:

(إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سِبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزِ الْعَظِيم) (الآية: 111).

وهكذا يضاف إلى رصيد رمضان العظيم المبارك الذكريات الخالدة الماجدة، حصيلة جديدة.

في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين للهجرة بدأ فتح الإسلام للأندلس بسرية طريف البريري. وفي شهر رمضان سنة ثنتين وتسعين للهجرة كانت حملة طارق بن زياد لتحقيق الفتح. وفي شهر رمضان سنة ثلاثة وتسعين للهجرة كانت حملة موسى بن نصير لتوسيع الفتح.

كأن رمضان قد كان على ميعاد مع مفاخر الإسلام في الأندلس: ذلك الفردوس المفقود!

نعم إنه الفردوس الذي أضاعه التفرق والتمزق، وأفقده التنكر للوحدة والأخوة، ومن وراء ذلك كان الذل والهوان، حتى صور جانبًا من ذلك الشاعر الفقيه أبو البقاء صالح بن شريف الرندي في رثائه لهذا الفردوس المفقود، فكان مما قاله هذه الأبيات يستنهض بها همم الإسلام في كل مكان، للذود عن الحمى، والدفاع عن الحرمات (من البسيط):

يا راكبين عتاق الخيـل ضامـرة كأنها في مجال السبق عُقْبَانُ
وحـاملين سـيوف الهنـد مُرهفة كأنها في ظلام النقع نيرانُ
وراتعين وراء البحـر في دعـة لهم بأوطانهم عزٌّ وسلطان
أعندكـم نبـأ من أهـل أندلـس فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون، وهم قَتْلى وأَسْرى، فما يهتز إنسان
مـاذا التقاطعُ في الإسـلام بيتكمُ وأنتم يا عبـاد الله إخـوانُ؟
ألا نفـوس أَبِيَّـاتٌ لهـا هِـمَمٌ؟ ما على الخير أنصار وأعوان؟
يـا مَنْ لِذِلَّةِ قـوم بعـد عزِّهـم أحال حـالهم كـفر وطـغيان
بالأمس كانوا ملـوكًا في منازلهم واليوم هم في بلاد الكفر عُبْدَان
فـلو تراهم حيـارى لا دليل لهم عليـهم من ثيـاب الذل ألوان
ولو رأيت بكـاهم عنـد بيعـهم لهالك الأمر، واستهوتك أحزان
يـا ربِّ أمٌّ وطفلٌ حِيـلَ بينهمـا كمـا تفـرق أرواح وأبـدان
لِمِثْلِ هـذا يذوب القلب من كَمَـدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمان!